الأحد 17 كانون الأول 2017

حليم الرومي حلّ مكرمًا في جامعة الروح القدس

 
Share

كرّمت جامعة الروح القدس – الكسليك الفنان الراحل حليم الرومي في حفل دعت إليه الجامعة وعائلة حليم الرّومي ونظمته كليّة الموسيقى فيها، برعاية دولة رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، ممثلاً بالنائب ميشال موسى، في قاعة البابا يوحنا بولس الثاني، في حرم الجامعة الرئيسي في الكسليك. وخلال الحفل قدّمت الجامعة إلى عائلة الرومي والنائب موسى كتاب: "يرنو بطرفٍ. حليم الرّومي، حياة وإنجازات"، من تحقيق الأب الدكتور بديع الحاج. كما تسلّم موسى درعًا تقديريًا من الجامعة.

 

حضر الحفل قدس الأب العام الأباتي نعمة الله الهاشم الرئيس العام للرهبانية اللبنانية المارونية والرئيس الأعلى للجامعة، وزير الإعلام ملحم رياشي، وزير السياحة أفيديس كيدانيان، النائب آلان عون، الآباء المدبرون في الرهبانية، كريمة المحتفى به السيدة ماجدة الرومي وعائلته، رئيس الجامعة الأب البروفسور جورج حبيقة، وحشد من المقامات الروحية والحزبية والعسكرية والسياسية والأمنية والبلدية والاختيارية والفنية والتربوية والإعلامية، وعميد كلية الموسيقى في الجامعة الأب الدكتور بديع الحاج، إضافة إلى أعضاء مجلس الجامعة.

 

الأشقر

بعد النشيد الوطني، ألقت كلمت التقديم السيدة كلود الأشقر التي قالت:" تجمعنا الليلة مناسبة جميلة، نصبو من خلالها الى عالم المزايا والعطاءات، عالم القيم والإقرار بالفضل وعرفان الجميل. نستعيد ذكرى الموسيقار الكبير، حليم الرومي، رجل الفكر، والمسؤوليّة، والموهبة، والعطاء الفنّي العظيم، الذي أصلح بورق من ذهب التشويهات، لتبقى الإذاعة مثالاً لنا اليوم، وتبقى ألحانه صرخة تدوّي مدى الأجيال الصاعدة. فنعم المبادرة، إذ جاءت تعبيراً صادقاً عمّا تذخّر به نفوس القيّمين على هذا التكريم، من تقدير لقيم الفنّ والحقّ والجمال".

 

الأب الحاج

ثم عرض فيلم وثائقي عن حياة حليم الرّومي ومسيرته الفنية الحافلة بالإنجازات، ليلقي بعدها عميد كليّة الموسيقى الأب الدكتور بديع الحاج، كلمة اعتبر فيها أن "تكريم حليم الرومي في إطار مؤتمر علمي بعنوان "تأثير الإذاعة على مسار الموسيقى العربية" الذي تنظمه كلية الموسيقى في جامعة الروح القدس الكسليك بالتعاون مع المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية والجمعية العلمية للكليات والمعاهد العليا للموسيقى مرده اهتمام حليم الرومي شخصيا ودوره الفاعل والأساسي في تطوير إذاعتي الشرق الأدنى والإذاعة اللبنانية وبخاصةٍ القسم الموسيقي في هذه الأخيرة وقسم الأرشيف والمكتبة الموسيقية".

وأضاف: "يرنو بطرْفٍ"، عنوانٌ اخترته لكتاب عن حليم الرومي، يرنو بطرفٍ من الموشحات التي لحنها حليم الرومي، وكان من الأحب إلى قلبه. حاولت من خلال هذا العمل الإضاءة على سيرة إنسانٍ كرس حياته في سبيل إعلاء شأن الموسيقى العربية بشكل عام والموسيقى واللبنانية بشكل خاص. حياةٌ ملؤها التعب والكفاح والجهاد في سبيل النجاح وتحقيق الإنجازات. "يرنو بطرْفٍ... حليم الرومي، حياةٌ وإنجازات"، عمل توثيقي، يسرد سيرة حياة حليم الرومي مستندًا على مذكراته والحوارات الصحفية والإذاعية والتلفزيونية، ويسلط الضوء على إنجازاته الموسيقية في العزف والغناء والتلحين والتوزيع والنقد، والإدارية في إذاعتي الشرق الأدنى والإذاعة اللبنانية، كما يبرز دوره ومساهمته في اكتشاف المواهب وتدريب أصحابـها بغية إيصالهم إلى ميدان العمل الفني والموسيقي من جهة، وخلق جيلٍ جديدٍ ومتطورٍ من عازفين وملحنين ومطربات ومطربين من جهة ثانية. أرفقنا بهذا العمل أسطوانتين من خمسة عشر عملًا تعرف بإنتاج حليم الرومي الموسيقي: قصائد، موشحات وأغانٍ من تلحينه وأدائه".

 

الرومي

بعد ذلك ألقت السيدة ماجدة الرومي كلمة، وجاء فيها: "مذ وعيتُ الدنيا، وعيتُها في بيت جميل، حوّله أبي، بامتياز، معهداً للفنون الجميلة. كنتُ أسمع فيه الأصوات الخالدة الآتية إلينا من إذاعة لبنان، ومن صوت القاهرة. كنتُ أسمع الشعر الملهم الآتي إلينا من برنامج "لغتنا الجميلة" لفاروق شوشة، عبر الأثير المصري. وكنتُ أعشق في بيتنا الجمالات التي يحيطنا بها لبنان، وأعيش على إيقاعات الفرح والفراشات والسنونوات. وكنتُ في زوايا البيت، في كفرشيما، أراقب العابرين من عندنا، صحافيين وممثلين وشعراء ومطربين ومطربات، إما قدمهم والدي إلى لبنان، بالتوجيه والإرشاد، بالاكتشاف والمتابعة، وإما واكبهم بحكم الصداقة والاحتفال بالحياة. الكل مرّ من أمام عيني. الكل مرّ ببيتنا المبارك..."

وأضافت: "وهكذا شهدت بأم عيني لزمن لبنان الجمال والسلام، لبنان الخير والحق. وما أبعدنا اليوم عن ذياك الزمن الجميل، زمن الأصالة الفنية وأصوات الذهب. وما أبعدنا اليوم عن لبنان رغد العيش والجمال والعطاء. وما أقسى غربتنا في زمن "تَجْرَنة" كل شيء. وما أشد اعتزازنا بمن يسعى جاهدًا للحفاظ على قدسية لبنان وأصالته في كل مجال، وبنوع خاص، الثقافة والفنون الجميلة، الناطقة باسم روح لبنان وهويته".

وأردفت قائلة: "وفي زمن يسير كل أصيل عكس تيار الأيام، دعت جامعة الروح القدس الكريمة، مشكورة، إلى ضم أعمال أبي الموسيقية الخالدة إلى مكتبتها الموسيقية، بكل حماسة وإيمان. تأثري ليس بقليل، لأنّ الجامعة سعت وتسعى للحفاظ على الإرث الأبيض في الزمن الأسود، وتسعى لنقله إلى الأجيال الطالعة، بوعي من يؤمن بأن من لا ماضي له، لا غد له".

وشكرت "صاحب الرعاية رئيس المجلس النيابي الأستاذ نبيه بري، ورئيس الجامعة وعميد كلية الموسيقى والموسيقيين والجوقة وكل من سعى إلى نقل الأعمال الفنية لوالدي من مكتبة دارنا، إلى مكتبة الجامعة. إنّها خطوة مصحوبة بكبير التقدير للبنان الأصالة الفنية، لبنان الإذاعة اللبنانية، التي لها علينا حق الوفاء والعرفان بالجميل، والتي تحوي كنوزاً فنية هي بأمس الحاجة إلى حمايتها". ثم توجّهت بالشكر إلى "وزير الإعلام ملحم الرياشي الذي أطلق اسم حليم الرومي على الاستوديو رقم 5 في الإذاعة اللبنانية".

 

الأب حبيقة

ثم ألقى رئيس الجامعة الأب البروفسور جورج حبيقة كلمة، قال فيها: "توافدنا الليلة جميعا إلى حرم جامعة الروح القدس الكسليك، جامعة الموسيقى والتراث والعلوم، لنحيي ذكرى فنان عظيم عزِّ نظيره في كل مطاوي حياته الزاخرة بعطايا مذهلة. جميعنا يعرف أنه أبصر النور سنة 1919 في مدينة صور، "مدينة الملوك" كما كان يلذُّ لحليم الرومي أن يدعوها، لأن عائلته كانت من ربَّان البحر وأسياده، إبحارا وتجارة وترحال..." وأضاف: "إن السمة الطاغية في حياة حليم الرومي إنما هي الترحال الدائم، في مطاردة عنيدة لكل صنوف الإبداع والحداثة. يسكنه أبدا قلق المعرفة وهاجس الأجمل. منذ أولى سنوات طفولته، نراه يختبر في لاوعيه مرارة الرحيل وحلاوته، قساوة الانسلاخ ونشوة الاكتشاف. فكان انتقاله مع ذويه من صور إلى حيفا، كالعديد من عائلات لبنان التي انهكتها ويلات الحرب العالمية الأولى. هناك تبرعمت أحاسيسه الجمالية في مداعبة الألوان التي كان والده يتقن تلاقحها كمزخرف وخطاط ورسام. ذكاؤه المتوقد وتعددية مواهبه صاغا منه مثالا للتلميذ المتفوق في مواد التحصيل المدرسي كافة. فكما نقول إن التاريخَ وليدُ الجغرافيا، هكذا وقع حليم الرومي في عشق هاتين المادتين غير المنفصلتين ودخل متألقا ومبدعا في تاريخ موسيقى هذا المشرق المستلقي على جغرافيا من التنوع الفني المغني والمثري في شقيه الروحي والعلماني. في انطلاقته الأولى في حيفا، تربع بدون عناء على عرش المرتّل الأول في جوقة المدرسة التي كانت تقوم بخدمة الاحتفالات الدينية وعلى عرش خليفة أم كلثوم على مسرح بستان الانشراح..."

وتابع: "إن جوعه المزمن لمناهل الموسيقى الشرقية لم يدعه يكتفي بما حصل عليه على يد الموسيقي فوزي سليم، فراح حلم السفر إلى القاهرة ليلتحق بمعهد الموسيقى الشرقية الذي كان يدعى آنذاك معهد فؤاد الأول للموسيقى العربية، يقضُّ مضجعه وينهك أعصابه. بعد تعثرات متلاحقة، تحقق أخيرا ما كان يصبو إليه. وفي اليوم الرابع من تشرين الثاني من سنة 1937، نرى حليم الرومي يهرول إلى ميناء حيفا ويصعد بشغف المغامر وانتظارات البحار إلى متن باخرة صغيرة تحمل اسم زعفران، يتجه غاطسها إلى بور سعيد. فاستقبله في اليوم التالي مصطفى رضا بك، رئيس المعهد الموسيقي، وطلب منه أن يعزف على آلة القانون ويغني ليُكوِّن فكرةً عن موهبته ومهاراته المكتسبة. فأدى بصوت خلاّب وعزف ماهر قصيدة:

"يا بلبلَ الرّوضِ ما أشجاكَ أشجانا     فاملأ رُبى الرّوضِ أنغاماً وألحانا"

وأردف قائلاً: "فانذهل مصطفى بك مما سمع ورأى وقال لمن كان في صحبة حليم الرومي: "ما عسانا أن نضيف إلى ما يعرف! إنه مكتمل المعرفة والجهوزية". هذا هو الفنّان الأصيل. ينظر إلى ذاته أبدا كأنه قابع في مستوطنات الجهل، هو العارف والمقتدر. ففي سنتين فقط أنهى دبلوما يمتد على ست سنوات. وهكذا انطلق حليم الرومي في مشواره الفني في الإذاعة المصرية والمسارح والاستعراضات والأفلام السينمائية. وتجلى بقوة في خانة المطرب والملحن. فانضم إلى فرقة "سُمّار الليل" التي كان من بين مؤسسيها الشيخ زكريا أحمد ورياض السنباطي والكمنجاتي يعقوب طاطيوس".

وأكد أنه "لأسباب عائلية، عاد حليم الرومي إلى حيفا سنة 1941 وبدأ العمل في إذاعة الشرق الأدنى حيث كان يدير برامجها الفنان اللبناني يحيى اللبابيدي. فتبوأ فيها للتو مرتبة الفنان الأول مطربا وملحنا وعازفا على العود. ثم ما لبث أن عُين رئيسا لقسم الموسيقى فيها، فساهم بشكل فعال في دفعها إلى تبوء المرتبة الأولى بين إذاعات المشرق. إلى ذلك، فاز سنة 1941 بجائزة تلحين نشيد الجيش العربي الأردني. وفي السابع عشر من تموز سنة 1949، تزوج حليم الرومي في بور سعيد من ماري لطفي التي تعرّف عليها في حيفا. بأعطر الكلمات وأعسلها يصف شخصية زوجته، معتبرا إياها اللحنَ العذب وقطعةً من روحه. وفي أوائل شهر كانون الثاني من سنة 1950، عاد حليم الرومي وزوجته إلى لبنان لقضاء شهر العسل. فكان شهر العسل للإذاعة اللبنانية حيث عُيِّن رئيس قسم الموسيقى ثم رئيس قسم مكتبة التسجيلات. على مدى ثلاثين عاما، رفع حليم الرومي القسم الموسيقي في الإذاعة اللبنانية إلى أعلى المراتب، تنظيما وذوقا وإبداعا. واكتشف وأطلق العديد من المطربين والفنانين. بلغ إنتاجه الفني زهاء ألفي لحن، منه فقط للإذاعة اللبنانية حوالي خمسمئة وخمسين لحنا، موزعة على الأغاني والقصائد والموشحات والأوبريتات. نال الجائزة الأولى في مسابقة تلحين الموشحات الأندلسية، التي نظّمها مجمع الموسيقى العربية في تونس سنة 1972".

وخلص إلى القول: "كما ترون، تجلى حليم الرومي في كل شيء وحلَّق عاليا في فضاء الإبداع وعملق بلده لبنان. نجح في كل شيء، إلا في أمر واحد فشِل وكان فشله خدمة للموسيقى ولرفعة الفنّان أخلاقيا وروحيا وإنسانيا. فشل بردع كريمته العزيزة ماجدة عن دخول عالم الفن. فاستلمت الفنانة الكبيرة ماجدة الرومي شعلة أبيها وأبقتها متوقِّدة في ميادين الحداثة الراقية".

 

النائب موسى

وألقى كلمة راعي الحفل رئيس مجلس النوّاب الأستاذ نبيه برّي ممثله النائب ميشال موسى الذي قال: "شرفني دولة الرئيس أن أنوب عنه في رعاية هذه الاحتفالية الراقية لكبير من لبنان، زرع الفن وثقافة الحياة في القلوب والمشاعر، وأن أنقل اليكم تحياته وتمنياته لكم، باستعادة بعضٍ مما تختزنه الذاكرة من صفحات مشرقة، خطّها أعلام كبار، في مسيرة الفن اللبنانية والعربية".

وأضاف: "أن نتكلم عن حليم الرومي، يعني أن نتوقف عند حقبة ذهبية من تاريخ الفن العربي عموماً، واللبناني خصوصاً، وعند، موهبة فذّة تفتحت باكراً طرباً ولحناً وعزفاً. فمملكة حليم الرومي ليست من هذه الأرض، إنها عطية من سماء الفن المرصّعة بعطر الكلمة وأناقة اللحن".

وأشار إلى "أن ما حققه من إبداع في الإذاعة وعلى المسارح منذ انطلاقه عام 1935، في فلسطين ومصر ولبنان، حيث أنتج حوالي ألفي عمل فني بصوته أو بأصوات أشهر المطربين اللبنانيين والعرب إلى حد إطلاق لقب "خليفة أم كلثوم" عليه، متميزاً بأعماله الفريدة ذات العمق والأصالة، وخصوصاً القصائد والموشحات والأوبريتات. كما كان له الفضل الكبير في اكتشاف المواهب الفنية وتشجيعها واطلاقها، وعلى الأخص تقديمه السيدة فيروز إلى الأخوين رحباني. ولا ننسى المداميك التي بناها في الإذاعة اللبنانية، بعد تمرسه في إذاعة الشرق الأدنى، مكرساً حياته وعطاءاته للبنان والفن".

وتابع: "إن التراث القيّم الذي تركه حليم الرومي، يشكل ثروة للموسيقى العربية واللبنانية، بل مدرسة نشأت عليها أجيال فنية ساهمت في إغناء مكتباتنا الموسيقية، وحافظت إلى جانب كبار من بلادنا، على المستوى العالمي الراقي للأغنية اللبنانية.

وأشاد النائب موسى "بما تقوم به جامعة الروح القدس، من مبادرات حضارية لحفظ تراث أعلام من بلادنا، في شتى المجلات، لأن من لا تاريخ له لا مستقبل له"، مؤكدًا "أن كباراً مثل حليم الرومي، لا يمكن أن يغيبوا من الذاكرة، ما دام تراثهم محفوظاً لدى أصحاب الأمانة، وما دام هناك من يصدح به، على غرار حاملة الأمانة الفنانة الكبيرة السيدة ماجدة الرومي".

وختم: "مهما قلنا في حليم الرومي لا يمكن أن نفيه حقه، غير أننا بالحفاظ على مستوى الموسيقى والأغنية في لبنان، نكون نكّرمه بما يليق بالكبار".

 

وتخلل الحفل تقديم مجموعة من الموشحات والأغاني من ألحان حليم الرومي وأداء جوقة الغناء العربي في كليّة الموسيقى بقيادة الدكتورة غادة شبير: غلب الوجد عليه (كلمات: محمود سامي البارودي)، يَرنو بطَرْفٍ فاترٍ (شعر قديم)، اسمع قلبي (كلمات نزار قباني)، يا حمام يا مروّح بلدك (كلمات: فتحي قورة).

أهم الأخبار
اشترك في النشرة الإخبارية المجانية